مازلت أرفض الانضمام إلى تلك الرحلة، رغم الميزات والإغراءات الملحقة لها. لكنها تبدو لي كالمرحلة الأخيرة التي لا أرغب في خوضها. لست مترددة حول المغادرة بل رافضة كلياً. أجهل لماذا يشتاقون إلى الخوض بها لهذه الدرجة؟ . وما لعيب في السفر خارج حدود البلاد ؟ أليس أيضا رحلة واستكشاف ومغامرة؟ . نعم ، لكن التجوال في " فيلكا " مغامرة أخرى.
مازلت أحبها فهي أرض الأجداد، لكن عبارة " البعد عنها فضيلة " مازالت تغزو ذهني. أذكر آخر مكالمة كانت قبل حديثي هذا مع إحدى أعز صديقاتي " سارا اليازي " ، كانت ترتجي مني الموافقة كرجاء أم لطفلها بأن يأكل، لكن لابد من عنادي حتى وصل بها الحال أن تصرخ بي " زين شفيها .. شفيها ؟ عن الدلع عاد !! " . تستفزني دائما بهذه الكلمة بينما أصر على هدوئي قائلة " أنتِ تعلمين مابها وسبب رفضي ". زفرت بقوة وهي تقول : " ما حدث قد حدث وانتهينا و هذا أمر القضاء ، غير ذلك أعدك وأقسم لك بحق رب السماوات والأرض لن نزور ( القرينية ) " ، بمجرد ذكر اسم تلك المنطقة يقشعر جسدي و تصرخ في رأسي آلاف الأبواق فتصمني . أغمضت أجفاني بقوة كما لو أن سلكاً حاداً رفيع اخترق جانب من رأسي ليظهر من الجانب الآخر.
سألتني " ها شقلتي . ؟ تروحين ؟ " ، قلت بهدوء وكأني ألفظها بصعوبة " لا " . صرخت بي " أوووه !! "
انتظرت دقائق صمت أملاً منها في أن أبدل رأيي، لكني لم أفعل ، جل ماكان يدور في رأسي هو أن تفهم خوفي واضطرابي وتكف عن إجباري على صد رجاؤها بما لايليق بصداقتنا المتينة. كانت تحدثني عبر هاتف منزلهم حين اتصلت بها " شروق الكافي " وهي الضلع الثالث من أضلع مثلثنا الذهبي الراسخ .
" شروق " على عكسنا تماماً . ربما أمتلك هدوئاً مصاحب لتفكير جميل، وربما " سارا " تملك شغباً طفولياً وعقلاً لاتثبت فيه الأحداث حتى تقيّمها . لكن " شروق " تمتلك الجرأة و القوة في القيادة التي تميزها. أذكر تماماً حين قلت لها عندما كنا مازلنا في مرحلة الثانوية العامة بأن مدرسة التاريخ " آسيا " ستقوم اليوم بطرح الأسئلة عن الثورة الفرنسية و الباستيل وغيرها. لكنها لم تعر اهتمامها. حين ضحكت هامسه لها " ستشتعل حرباً بينك و " آسيا " اليوم " فقالت " لا ترعبني لا آسيا ولا غيرها من القارات، لتشعلها فقد حشدت جيوشي " ، عندها هويت ضاحكة وأنا أتأمل ملامح الجد في محياها.
قاطع تفكيري صراخ " سارا " في الجانب الآخر من الهاتف وهي تقول " ستخسرين الكثير. أنا و "شروق " مغادرتان في الصباح الباكر .. – وانتي قعدي في دارج تخللي !! – "
وحكاية – المخلل – حكاية، ذنبي بأني البيتوتية الوحيدة بينهن ، لذا دائما ماتناديني " سارا " بـ ( المخلل ) إذا غضبت مني و أثرت حنقها، لا أخفي بأني أنزعج كثيراً من تلك التسمية، تجبرني على أن أشتم رائحة حموضة مزعجة تنفر مني. وعلى عكس ذلك ، لا أجد في مكوثي في غرفتي أو البيت بوجه عام أي سوء أو رطوبة و ( تخليل ) ، بل أجد بها عطر الزهور المنعش و ملمس القطن الناعم و الموسيقى الهادئة ترافقها إضاءة خافتة تحترم العينين، ليتمدد الجسد وتسترخي أنسجة العقل فتأخذ كل منها زاوية بالمدى الذي ترغب، كل هذا الجمال والتحليق كرواد الفضاء دون جاذبية والسير على هواء رطب بأقدام عارية، تخترقه صورة " سارا " وهي تقول : " هيا لنتسكع خارجاً " ، أو حتى صوت " شروق " وهو يردد : " يلعن التحنيط اللي انتي فيه! مومياء مو بنية زين ؟! " ، وبين هذا و ذاك أكركر ضاحكة على تشنجهن.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق