هنا ، أجلس على تلك الطاولة التي ضحكنا عليها يوماً وتناقشنا، في هذا المطعم نعشق تقديم سلطاته المتنوعة مما يجبرنا على زيارته حتى لو لم يكن في وقت إحدى الوجبات الرئيسية ، أمزج اليوم وحدي مكونات السلطة بإحدى الصلصات الشهية بهدوء. لتسترجع ذاكرتي صوت طرق الشوكة في يد " شروق " على الطاولة وهي تتأمل ملعب الكرة الذي يبعد عن المطعم مسافة خطوات، ونظرة " سارا " حين سألتني : " بالمناسبة " هديل " ما اسم عائلتك ؟ " ، قلت لها وأنا أدفن قطعة الطماطم بالملح والليمون : " الراعي " .. " هديل الراعي " ..، ثم مالبثت أن قالت " شروق " بهدوء وهي مازالت تتأمل ذاك المكان " يا سبحان الله! توني أدري إنه الراعي " حمامة " !!".
مزاح "شروق " لا يقف أمام حدود معينة. دائما تنثر دعاباتها هنا وهناك، لكن ما أنبهها عليه دائما هو صوتها العالي الذي يجبر الوجوه على الالتفات نحونا .
جميعاً نشترك في ولاؤنا للبحر . ذاك السائل العجيب الذي يمتزج مع ضحكاتنا ، تأملاتنا، بكاؤنا . " شروق " تلك الصلبة القوية. يعتصرها منظر الغروب ويبكيها. كل مرة نجد أرواحنا منتصبة تودع الشمس ليوم آخر، أجدها تغتسل بآهاتها وزفراتها العميقة، بينما يداعب كلبها الصغير ساقيها وكأنه يواسيها غير مكترثاً بتشرب جمال المنظر. " آه . كم أتمنى لو كنت صنارة صيد عملاقة ، أرميها صوب الشمس لتصطادها وتجرها لي كلما حان وقت غروبها . علها تحرقني فتريحني أو تنير دواخلي " ، لا أنسى تلك العبارة التي لفظتها أيام قهر ويأس . تعلّق ناظري بجريان دموعها المنسابة بينما تلألأت عيناي بدمعها التي سكنتني أو ربما سحبتني داخلي. قلت لها طاردة مشهداً مأساوياً : " بالمناسبة " شروق " لماذا أسميتي كلبك – كب كب * - ، عفواً لكن تقليل من الأسماء الجميلة ؟ أم إنك احتراماً له رغبتي في نفي حرف اللام في المنتصف تغييباً له بعدم اكتشاف كلبيته ؟ " ،
ابتسمت بأسى وهي تتأمله تحت قدميها " الكلب كلب حتى لو أسميته طاووساً " .. نلتفت بهدوء نحو صوت " سارا " وهي تقدم لنا علب ( الناتشوز ) و تقول : " يا لعقليتك يا "شروق" شرف لي هذه الصحبة والله " !
قالت " شروق " : " لم أعد شروق .. انظري إليها تودّع " .. أجابتها " سارا " بينما انشغلت أن بلعق الجبن الساخن الذي يستحيل مقاومته " لا بأس ، غداً تعود لتشرق متبسمة . اعتادت على ذلك يومياً " ،
" والله أشعر إني كأم موسى تودعه بعدما أرسلته وصندوقه في عرض البحر " – قالت شروق -.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق